أحمد ياسوف
308
دراسات فنيه في القرآن الكريم
كأن مجرد الغرابة والخروج على المألوف والمعهود ومخالفة الكثرة يستدعي القبح ، فهل المعيار اجتماعي ؟ أم أن المعيار فونولوجي ، ويبدو لنا أنه يرى أنّ طول النّفس في نطق معنى يسبّب جهدا عضليّا لأعضاء النّطق ، يصحبه ملل غير خفيّ ، والحقّ أنّ سماع كلمات القرآن ينفي هذا . وإذا استطلعنا بعض الآيات الكريمة وجدنا مفردات ذات أحرف كثيرة ، مثل : « نستدرجهم » من قوله عزّ وجلّ : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 182 ] و أَ نُلْزِمُكُمُوها من قوله عزّ وجلّ عن عناد قوم نوح عليه السلام ورفضهم للإيمان : أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ [ هود : 28 ] ، وكذلك قوله : وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [ إبراهيم : 14 ] ، وكلمة « أسقيناكموه » من قوله تعالى عن المطر : فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ [ الحجر : 22 ] ، وفي قوله تعالى على لسان فرعون مهدّدا : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [ الشعراء : 49 ] ، وغيرها من الكلمات الطوال ، فإنّ هذا يدحض فرضية ابن سنان المبتورة . لقد نظر ضياء الدين بن الأثير إلى مثل هذه الكلمات من القرآن الكريم ، وراح يفنّد رأي ابن سنان ، وعدّها سلاحا ماضيا لنسف رأيه ، وتلمّس جمالها في القرآن من خلال ردّها إلى الأصل الثّلاثي ، وإذا طبّقنا رأيه قلنا : إن الأصول الثلاثية هي صلب ، سكن ، سقى ، لزم ، درج ، وهي أصول مجردة ، وكذلك بعض الأصول الرباعية ، فالمعيار صرفي لا علاقة له بقضية انسجام المقاطع الصوتية ، وسهولة نطق الأصوات ، وهو يتبع خطا ابن سنان في استهجان الكلمة الطويلة في الشّعر ، ولا يرى هذا في القرآن ، لذلك يذكر بيت أبي الطيب : إنّ الكرام بلا كرام منهم * مثل القلوب بلا سويداواتها « 1 »
--> ( 1 ) العرف الطيّب ، شرح ديوان أبي الطيّب ص / 192 .